فخر الدين الرازي
506
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي كان فيهم / لأن قوله تعالى حكاية عنهم إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي ، ومقرين بأنه مبعوث من عند اللّه تعالى ، ثم إن ذلك النبي لما قال : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً كان هذا دليلا قاطعا في كون طالوت ملكا ، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق ، ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر يدل على كون ذلك النبي صادقا في ذلك الكلام ، ويدل أيضا على أن طالوت نصبه اللّه تعالى للملك وإكثار الدلائل من اللّه تعالى جائز ، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا قال تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند اللّه ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم قال أصحاب الأخبار : إن اللّه تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده ، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل ، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة ، فلما عصوا وفسدوا سلط اللّه عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره ، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت ، فسلط اللّه على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه اللّه تعالى بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت ، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل اللّه تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ، حتى أتوا منزل طالوت ، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت ، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكا لهم ، فذلك هو قوله تعالى : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ والإتيان على هذا مجاز ، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعا ، كما يقال : ربحت الدراهم ، وخسرت التجارة . والرواية الثانية : أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه ، وكان من خشب ، وكانوا يعرفونه ، ثم إن اللّه تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل ، ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء ، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران ، بل نزل من السماء إلى الأرض ، والملائكة كانوا يحفظونه ، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا ، لأن من حفظ شيئا في / الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل :